أبو حامد الغزالي

82

تهافت الفلاسفة

فقبل وجود العالم كان المريد موجودا ، والإرادة موجودة ، ونسبتها إلى المراد موجودة ، ولم يتجدد مريد ، ولم تتجدد إرادة ، ولا تجدد للإرادة نسبة لم تكن ، فإن كل ذلك تغيّر ، فكيف تجدد المراد ، وما المانع من التجدد قبل ذلك ؟ ! وحال التجدد لم يتميز عن الحال السابق في شئ من الأشياء ، وأمر من الأمور ، وحال من الأحوال ، ونسبة من النسب ، بل الأمور كما كانت بعينها ثم لم يكن يوجد المراد ، وبقيت بعينها كما كانت ، فوجد المراد ، ما هذا إلا غاية الإحالة . وليس استحالة هذا الجنس ، في الموجب والموجب الضروري الذاتي ، بل وفي العرفي والوضعي ، فإن الرجل لو تلفظ بطلاق زوجته ، ولم تحصل البينونة في الحال ، لم يتصور أن تحصل بعده ، لأنه جعل اللفظ علة للحكم بالوضع والاصطلاح ، فلم يعقل تأخر المعلول « 1 » إلا أن يعلق الطلاقى بمجىء الغد ، أو

--> ( 1 ) هذه الصورة - صورة تأخر حصول الموجب الوضعي الذي هو البينونة عن الموجب الذي هو الطلاق المعلق على مجىء الغد أو على دخول الدار - أراها لا تناسب المقام ؛ فإن في وسع المتكلم أن يناقش الفيلسوف بقوله : لقد تأخر الموجب الذي هو وجود العالم ، عن الموجب الذي هو الإرادة القديمة ، لكون الإرادة قد علقت وجود العالم على وجود وقت خاص ، فإذا تأخر وجود العالم عن الإرادة ، لم يكن ذلك إلا من قبيل تأخر حصول البينونة عن الطلاق ؛ فلما كان الطلاق معلقا على شئ أو على وقت لم يكن حاضرا حال الطلاق ؛ جاز ان يتأخر الموجب الذي هو البينونة ؛ كذلك يقال في العالم أنه قد تأخر مع سبق الإرادة ، لكون الإرادة قد ربطت وجوده بوقت خاص ؛ فكان من اللازم - حتى لا يتخلف مراد الإرادة - أن يظل العالم معدوما حتى يجئ ذلك الوقت الخاص .